وهبة الزحيلي

143

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

توفيق اللّه ومعونته ، فلا غالب لكم من الناس . وإن يرد خذلانكم وهزيمتكم ويمنعكم تأييده بما كسبت أيديكم من الفشل والتنازع وعصيان القائد فيما أمركم به ، كما جرى يوم أحد ، فلا يملك لكم أحد تحقيق النصر . وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون ، وليثقوا به بعد اتخاذ الأسباب ؛ لأنه لا ناصر لهم سواه . وفي هذا ترغيب في التوكل على اللّه بعد المشاورة والاستعداد وعقد العزيمة الصادقة على فعل شيء مرغوب به شرعا . فقه الحياة أو الأحكام : إيراد هذه الأخلاق للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقصد به الاقتداء به فيها ؛ لأنه الأسوة الحسنة للمؤمنين ، وهو قائدهم وهاديهم بالقول والفعل والصفات . ودلت آية فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ على اختصاص نبينا بمكارم الأخلاق ، وكان يجمع بين دواعي السمو كشرف النسب والحسب ، وطهر النفس ، والسخاء ، وفصاحة البيان ، وخاتم النبيين ، وبين التواضع التام ، فكان يرقع ثوبه ويخصف نعله ويجامل أهله والمستضعفين . قال ابن عطية : والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ، من لا يستشير أهل العلم والدين ، فعزله واجب . هذا مالا خلاف فيه . وقد مدح اللّه المؤمنين بقوله : وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [ الشورى 42 / 38 ] . ودل قوله تعالى وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ على جواز الاجتهاد في الأمور والأخذ بالظنون ، مع إمكان الوحي ؛ فإن اللّه أذن لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك . وهل الشورى ملزمة وواجبة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم ؟ اختلف الفقهاء على قولين ، والظاهر القول الأول ؛ لما روي الإمام أحمد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأبي بكر : « لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما » و روى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن العزم ، فقال : « مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم » .